عُقَد.. وانحلت..


بعض عاداتنا الاجتماعية تخنقنا.. أحيانا ننتبه.. وأحيانا أخرى نستمر في الفعل دون تفكير..

أحيانا نستسلم.. وأحيانا نصرخ بداخلنا وحسب..

وأحيانا نعترف ونقرر أن نفعل شيئا مختلفا..

هي ليست مجرد عادات، بل بعض منها يتحول إلى عُقَد تحتاج إلى كثير من الانتباه والتوقف عندها.

اللطيف أننا حينما ننتبه، تنتابنا مشاعر متعددة:

– الخجل من أنفسنا والاستغراب من الاستسلام السابق للعقدة التي كانت تحكمنا

– شعور بنشوى التحرر من قيود العقدة

– رغبة شديدة في مساعدة الآخرين على فك عقدهم

دعوني أضرب لكم عدة أمثال على بعض العقد التي نجحت في حلها، وهذا لا ينفي أنه مازال لدي عقدة هنا أو هناك لم أنجح في حلهم بعد.

وستلاحظون أن الفضل لله أولا ثم لزوجي.. فيبدو أن الزواج هو المحضن الرئيس للتغيير.. ولعل لنا كلام آخر في هذا الموضوع في مقال آخر..

 

العقدة الأولى:

تزوجت في شقة صغيرة مؤقتة، وجهزني أهلي كما يفعل معظم مَن هم في نفس طبقتنا الاجتماعية، ومن ضمن جهاز العروس: مفرش السرير. ولمن لا يعرف مفرش السرير، فهو ليس الملاءة التي لابد منها للحفاظ على المرتبة وللحفاظ على النظافة والتجديد والتغيير، لا..

ولا هو الغطاء: كوفرتة، لحاف، بطانية للستر أو دفع البرد، لا لا..

مفرش السرير أعزائي هو مفرش جميل مطرَّز يدويا، يصلح للزينة فقط، ولا يصلح للاستخدام اليومي لرقة خامته وعدم تحملها الشد والجذب والغسيل (أورجنزا، سيرما…).

كان كلما زارنا ضيوف – ولمن لا يعرف أيضا، فإن العادة أن ضيوف العروس يطوفون بالمنزل لتفقُّد محتوياته!! المهم، كلما زارنا ضيوف كسوت السرير بهذا المفرش، وكان معه عدد 2 غطاء مخدة، ولكثرة الضيوف جنَّبت هاتين المخدتين في مكان محدد في الدولاب حتى لا أكسوهما وأنزعهما مرة تلو الأخرى. لاحظ زوجي ذلك وسألني سؤالا بريئاً: “أحيانا أرى 4 مخدات وأحيانا أرى اثنتين فقط، ما الذي يحدث؟” وكانت إجابتي صادمة لي، نعم، عندما تلفظت جهرا بالحقيقة، وجدتها في غاية السوء! قلت له: “ها هما في الدولاب، أخرجهما إن جاءنا ضيوف!!”

ووقتها شعرت بالخجل.. وبتفاهة ما أقول!

وهنا قررت أن أتوقف..

وانحلت العقدة:

– بعت المفرش (لا تقولوا لي الآن صدَّرتي العقدة لواحدة أخرى، لأني لا أعرف ما الحل؟)

– وعند تجهيز شقتنا الجديدة حرصت أن تكون مظاهر الجمال في بيتنا فيما يستخدم بالفعل، فجميل أن يكون غطاء السرير يسر العين متناسق مع بقية فرش الغرفة لكن المهم أن يستخدم بالفعل وألا أزيد قطعة إضافية بسبب زيارة الضيوف لي.

وتباعا تخلصت من كثير من قطع الديكور، وأبقيت فقط ما يسرني رؤيته سواء باستضافة الضيوف أم لا.

وللأمانة: يبقى للترحيب بالضيف وإكرامهم لمسات إضافية لكنها ليست تغييرات درامية لما نعتاده بالمنزل.

العقدة الثانية:

لا أدري ما أصل العادة التالية، ولكني منذ صغري أكاد “أؤمن” أنه “لا يجوز” أن يراني نفس الأشخاص بنفس الملابس في مناسبتين متتاليتين خاصة الأفراح (الأعراس).

وفي أول زواجي، عندما تكررت الأفراح التي نُدعى إليها، وجدتني مرة أخرى أقول باستحياء لزوجي أنني سـ”أحتاج” لملابس جديدة للفرح الذي ستحضره نفس العائلة! وكما المرة السابقة، التلفظ بالمعتقد التافه يجعلك تخجل من نفسك، ما هذا الذي أقوله؟!

وبمجرد أن شجعني زوجي على تخطي تلك العقدة، أول خطوة فقط كانت صعبة، بعدها شعور جميل جدا أنني تغلبت على عادة أقل ما توصف أنها مُسرِفة.

بعدها لاحظت أن أحد أقاربنا (الأغنياء) متزوج من سيدة ألمانية، رأيتها في ثلاث مناسبات بنفس ملابسها الرقيقة البسيطة. أخجلتني تلك السيدة مرة أخرى من نفسي وحمدت الله أني تخلصت من تلك العقدة.

العقدة الثالثة:

التعامل مع الزوجة الثانية.

ودعوني أولا – وقبل أن يُستغل كلامي التالي – أعلنها بوضوح، وهذه ليست فتوى، ولكنها معلومة بديهية لمن لا يعرف: الزواج في الإسلام يأخذ الخمس أحكام، فقد يكون واجبا، مستحبا، مباحا، مكروها، أو محرما.. كل حالة بظروفها..

وقبل أن يطربنا الرجال بنغمة أن التعدد من حقهم، أنصحهم بالصدق مع الله ومع أنفسهم لأن ببساطة يا عزيزي ستجعل حسابك عسيرا..

حكايتي مع الزوجات الثانيات

لطالما وصفني زوجي بأني نصيرة الزوجة الثانية ولطالما تعجبت السيدات من حولي ووصفنني بالـ”خايبة”، وذلك لتكرار المواقف التي أضطر فيها لاحتواء الزوجة الثانية، وأذكر من تلك المواقف:

  • زميلي في العمل، والذي قبلت زوجته الأولى – بإيثار رفيع المستوى وخُلُق راق – أن يتزوج زوجها من أخرى تأخر بها سن الزواج. وطلبت مني الزوجة الأولى الذهاب للخطبة مع باقي الزملاء لمساندة العريس (زوجها) لأنه لم يعد لديه عائلة، والخالة الوحيدة التي على قيد الحياة ترفض هذه الزيجة تماما.

ذهبت.. جاملت عند الزواج.. جاملت عند الإنجاب.. وكل الخطوات بالتنسيق مع الزوجة الأولى!

  • صديق زوجي الذي تزوج من أوروبية كان سبباً في إسلامها، وبالرغم من ضيقي من ذلك الصديق وحبي وتقديري للزوجة الأولى، إلا أنني رأيت أن تلك المسلمة الجديدة – بغض النظر عما أَفهَمَها زوجها عن الإسلام والتعدد- فهي بحاجة على الأقل لحُسن الاستقبال ويكفيها مقاطعة العائلة وبقية الأصدقاء لها. استضفتها عدة مرات وزرتها كذلك.

استسمحت الزوجة الأولى بعد ذلك وتفهَّمت موقفي..

  • زوجة ثانية أخرى هنا وهناك، لم أصادقها ولكني كنت أسلم عليها سلاما إنسانيا وقت أن قاطعها الجميع.

…….

وغيرها من المواقف والتي برغم غيظي الشديد في معظم الأحوال من الزوج، إلا أني في معظم الأحوال أيضا أقدِّر لماذا وافقت الزوجة الثانية على هذا الوضع “الاستثنائي”، وبغض النظر عن تقديري من عدمه، فإن الطريقة التي يعاملها بها المجتمع لا ترضي الله عز وجل.. ومن الآخر: الحق أحق أن يتبع.

كنت أبكي في كل مرة أسمع بها بخبر زواج أحدهم من زوجة ثانية، ثم أستقبلها بابتسامة واسعة وأقوم بواجب الضيافة ثم أبكي مرة أخرى بعد انتهاء الزيارة، ولكن الحق أحق أن يتبع.

أعلم أن بعض الرجال الآن منتشون من الفرحة، وتغلبني أنوثتي وطبيعتي كزوجة أولى ولا أملك إلا أن أُفسِد فرحتهم بالخبر التالي: معظم هذه الزيجات الثانية انتهت بالفشل، وهذا ليس تعارضا مع كون (الحق أحق أن يتبع) بل استكمالا له: فربما لأن كثيرا من الرجال يلجأون للزواج الثاني كَهَوَى وليس كاحتياج حقيقي، كتقليد لصديقه “الشجاع”/”سبع الرجال” الذي فعلها من قبله، وليس كأحد الحلول المطروحة في الشرع مثله مثل الطلاق: (دواءٌ لداء) كما يقول أستاذي د. عبد الرحمن ذاكر. ربما لأن طبيعة المعيشة في عصرنا الحالي بالكاد تسمح للرجل بتحمل مسؤلية أسرة واحدة من زوجة وأبناء.. لا أدري.. ولست هنا بصدد تحليل أسباب الفشل.

مشكلتنا كما قال لي أحد الأصدقاء الأوفياء (أن معظمنا يسحب ما يشعر به من “ظلم” حاق بطرف لمدى يجعله “يظلم” طرفا آخر) وهذا هو المقصد: الإنصاف. فالإنصاف مع الزوجة الثانية لن يضيف شيئا لنجاح أو فشل الزيجة، يضيف فقط لإنسانيتنا وتقوانا لله، وربما يكون في أحد الحالات من الإنسانية والتقوى أن ننصح المقبلة على الزواج الثاني بالانسحاب، لكل حالة خصوصيتها وهذا ليس موضوعنا الآن.

المقصد من سرد العقدة هنا هو تحفيز النساء على كسر الحاجز النفسي للتعامل مع “البعبع” المزعوم: الزوجة الثانية. وقد يقول قائل أن ثمن فك تلك العقدة غالي، وأتفق معه، وأترك حكاية الثمن الغالي لمقال آخر إن شاء الله.

Advertisements

2 thoughts on “عُقَد.. وانحلت..

  1. رائعة.. نعم معظم عقدنا هي بصنع أيدينا يبقى أن نعقل ما نفعل/نقول لتنحل هذه العقد.
    أما الإنصاف فهو ضروري حتى لا نقع في الظلم.. يعني إذا رجل ما تزوج من الثانية لم يكون العقاب موجه نحوها هي؟ يمكن لأننا نخاف من أن يزعل الذكر لكن نستسهل زعل الأنثى 😦

  2. شكرا هبة على هذ المقال ، بانتظار مقالك القادم بموضوع الثمن الغالي 🙂
    . النظرة الانثوية لهذا الموضوع بإنصاف غائبة ، أغلب الدعاة الذين يتصدرون الحديث لا يرونو لا يقرؤون النصوص إلا بعينهم الذكورية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s