سلسلة (مَن علمني حرفا) – حوار مع د. كمال المصري – حلقة 1


Kamal's office at IOL
Kamal’s office at IOL

كنت في السنة الأولى للدراسة بكلية الإعلام، وقرأت ما كتبه أ. فهمي هويدي عن (جهاد العصر عبر الإنترنت) وتكلم فيه عن موقع إسلام أونلاين آنذاك (1999). قُلت في نفسي “يا ليتني أصل إليهم”، وتقبل الله دعائي وعرفت من صديقة لي أنها تعمل هناك وطلبت منها أن تأخذني للتدريب هناك تطوعا. بدأت بقسم الأخبار وبعد عدة أشهر، ولأسباب لوجيستية خاصة بنقل المكاتب، كان مكتبي في غرفة تضم عدداً من الزملاء.

كان له حضورٌ قوي، يدخل المكتب وتدخل معه الألفة والهيبة معاً، يأتي ليزوره ويسلِّم عليه كل الزملاء من بقية الأقسام، لا يتأخر عن مساعدة أي أحد ويرد دوماً على كافة الاستفسارات، وتجد عنده من كل بستان زهرات. الحلوى اللذيذة لا تفارق مكتبه، فإن زرته، لابد أن ينالك أي خير..

كان على وشك إطلاق صفحته الجديدة، وكان هو أيضا يستشير مَن حوله، ومنهم الفقيرة إلى الله أنا. ربما أجبته إجابة مميزة هنا أو هناك مما جعله يعرض عليّ أن أنضم إلى صفحته الجديدة، وهو شيء أَحب إلى قلبي من العمل في قسم الأخبار، لذلك وافقت على الفور وبدأت العمل معه بالفعل كمحررة مساعدة ولمدة أكثر من عامين بعدها.

ما الذي دعاني للكتابة عنه الآن؟

لقد كبرت.. وتقلدت مناصب أكبر.. وقابلت وجوها كثيرة.. ومازلت أمتن لذلك الأستاذ..

لعل من أسباب تميزي في عملي، كثيراً مما علمني إياه أستاذي.. 

أستاذي هذا، كلما تكلمنا عن موضوع يكون رده: لقد قمت سابقا بعمل بحث علمي في هذا الموضوع وكانت نتيجته كذا وكذا.

أستاذي هذا كان يجمع المحررين الجدد ويعطينا دورات مجانية في الآتي:

– مقدمة في العقيدة الطحاوية

– مقدمة في علم مصطلح الحديث

– مقدمة في علم أصول الفقه

ولا أدري بعدها كيف يعيش الناس ويقرأون ويتداولون المعلومات الدينية دون حد أدنى من تلك العلوم!

هذا غير تصحيحه المباشر لي لكثير من الأخطاء الشائعة في اللغة العربية.. ودروسه هذه.. لا أنساها..

أستاذي هذا، ومديري وقتها كان يفوضني في أعمال المحرر (صلاحية النشر) وأنا عمري لم يتجاوز العشرين حينها. أي ثقة وضعها فيّ آنذاك؟! وأي تقدير ذاك؟ وأي امتنان مازلت أحمله له حتى اليوم؟!

أستاذي الذي أكلمكم عنه هو: د. كمال المصري

وقد أحببت أن أحاوره معكم، لعلنا نجد هنا أو هناك سرا من أسرار تميزه: 

– أهلاً بك..

* أهلاً وسهلاً.

– دكتور كمال.. أعلم إنك متعدد الهوايات والمهارات والمواهب.. لكن لو أحببت أن تعرف نفسك، ماذا ستقول لتعرف نفسك به؟

* بسم الله الرحمن الرحيم.. في البداية شكر الله لك.. أنا كمال حامد أحمد المصري، أصلي من فلسطين، لكنني لم أعش في فلسطين ولم أعرفها. أحمل الجنسية الأردنية، كنت في الكويت حتى الجامعة، أنهيت دراستي من كلية الحقوق والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت.. سافرت إلى القاهرة لإكمال الماجستير.. انتهيت من الماجستير في القانون الدولي، أنا مواليد ديسمبر 1963.. أنهيت الثانوية العامة عام 1981، وتخرجت من الجامعة عام 1985.. حصلت على الماجستير عام 1990، بعد تخرجي من الجامعة سافرت إلى أمريكا، وعدت إلى مصر عام 1987 لأقدم للماجستير، ولم أكن مستقرًا خلال تلك الفترة في القاهرة؛ حيث كنت أسافر إلى أمريكا وأعود للقاهرة؛ لأنتهي من الماجستير عام 1990.

سافرت بعد ذلك إلى بريطانيا ومكثت فها حتى عام 1994؛ حيث عُدت للقاهرة مع الأمم المتحدة في مشروع خاص بحقوق الإنسان يتم تنفيذه في القاهرة.

ومنذ ذلك الوقت غدت القاهرة مستقري بشكل أساسي، أما مشروع حقوق الإنسان فقد غضبت عليه الحكومة المصرية وأغلقته بعد عام من عمله –الحمد لله-.

– وماذا بعد ذلك؟

* قمت بافتتاح شركة كمبيوتر مع صديق لي، ثم عملت في الوقت نفسه مع شركة برمجيات اسمها “RDI”، Research and Development International، كمدير للمشروعات.

في عام 1999، دخلت في منظومة “إسلام أون لاين” كأحد الذين شاركوا –الحمد لله- في تأسيسه، واستمر عملي معه حتى عام 2004؛ حيث قدمت استقالتي، وافتتحت مكتبا خاصا للخدمات الإعلامية.

حصلت في 2003 على الدكتوراه في فلسفة القانون الدولي من جامعة أكسفورد، وكانت رسالة الدكتوراه عن فلسفة مفهوم حقوق الإنسان في دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون الدولي.

هذا أنا.. بالطبع فترة السفر، فترة الكويت، وفترة أمريكا وبريطانيا، أعطتني مجموعة من العلاقات والتشعبات والخبرات، أفهمتني تقاليد البلاد الأخرى، وكيفية الاقتراب من الآخر، واختلطت بجنسيات كثيرة، وعرفت الفروقات بين هذه الجنسيات.

– حسنا.. اختيارك لدراسة الشريعة والقانون كان رغبتك الشخصية؟

* نعم.. للتوضيح طبيعة الدراسة في جامعة الكويت تعتمد على النظام الأمريكي في التعليم؛ وكانت المشكلة في جامعة الكويت تكمن في دخول الجامعة وليس ماذا تدرس، بمعنى أنه كان في أيامي –أي عام 1981– كان عدد الذين يُقبَلون في جامعة الكويت من غير الكويتيين 2500 طالب، يدخل هؤلاء الـ2500 طالب يدخل أي تخصص متاح لهم، وبعد فصل دراسي واحد، لو استطاع الطالب الحصول على معدل نجاح يقترب من 3.2 من 4 نقاط، وهو أمر ليس بالصعب، يمكنه غالبا دخول أية كلية يريد، بمعنى يحول من كلية إلى كلية، دخلت الجامعة في كلية العلوم قسم كيمياء، وكنت أنوي التحويل بعد الفصل الأول لدخول كلية هندسة، خصوصا أنني أظن طريقة تفكيري فيها قدر من الترتيب يليق بالمهندسين.

لكن ما إن دخلت الجامعة، ودخلت في منظومة العمل الطلابي، للمعلومية في جامعة الكويت الحركة الطلابية قوية جدا، والحقيقة تجربتي كانت تجربة ثرية جدًا وغنية جدًا، وكان العمل فيه فيها كثير، وأحدث فرقا لدى الإنسان في توجهاته وطريقة تفكيره، وهذا ما جعلني أغير وجهة نظري من حيث الدراسسة، نعم كلية الهندسة شيء عظيم، لكنها في الآخر هي علم مادي، وأنا الحقيقة لا أحب العلم المادي، على الرغم من أنني كنت في القسم العلمي في الثانوية، ولا علاقة لي بالقسم الأدبي ولا أحب مواده من الأساس، لكن العلم المادي البحت، وهو ما ذكره بالمناسبة الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد حين ذكر أن الحكام المستبدين لا يخافون من العلوم المادية، وإنما يخافون من العلوم النظرية، لأن فيها تفكير و”تشغيل دماغ”، العلم المادي وجدت أنه لا يناسبني؛ فبحثت عن تخصص مناسب، ووجدت وقتها أن أكثر التخصصات قبولاً -بالنسبة لي- هو الحقوق والشريعة؛ إذ كانت الكلية كلية حقوق ثم أضيفت إليها بعد ذلك الدراسات الإسلامية.

– ما أكثر شيء تعلمته من الحياة في الكويت؟

* الانفتاح، وتعدد الخبرات، المجتمع في الكويت، أو الجو العام كان يمتاز بأنه منفتح تمامًا، لم يكن هناك أي قيود لعمل أي شيء، سواء على المستوى البلد أو على مستوى الجامعة؛ لذلك كانت خبرات المرء تزداد قبل الجامعة وفي فترتها وبعدها، لقد كانت تجربة غنية جدا، يكفي أن أذكر أن الجامعة في تلك الفترة كانت بها التيارات التالية: اليساريون، والقبليون، أي المنتمون إلى القبائل، وكان هناك الحكوميون المنتمون إلى الحكومة.. وعلى المستوى الإسلامي، كان هناك الإخوان، والسلفيون، وكان هناك الشيعة، وكانوا قسمين، وهناك كذلك الإسلاميون المستقلون، أو هم غير المنتمين إلى أي تيار، وكان فيه كأفراد حزب التحرير، وقليل من التبليغ والدعوة، إضافة إلى أفراد ممن أُطلق عليهم بعد ذلك “الجهاد”.

هذا التنوع العام الذي تواجد في مكان واحد أعطى فرصة تعلم خبرات متعددة ومتنوعة.

الانفتاح الذي كان مسموحا به في البلد أوجد نشاطا وحركة، نتج عنهما خبرات وفرص تعلُّم، وإذا اقترنت هذه الخبرات بالثقافة التي كونها الشخص بنفسه فإن ذلك يعطي مزيجا مميزا لا جدال في ذلك.

– وماذا عن أمريكا؟

* كانت ميزة أمريكا الكبرى هي انتقال العمل من الشكل الفردي والكيانات الصغيرة إلى الشكل المؤسسي الكبير والمتسع، وبالذات أيام كانت رابطة الشباب المسلم العربي في أمريكا الشمالية، التي كانت أكبر مظلة الكبرى للشباب العربي والمسلم في أمريكا الشمالية.

كان لها المؤتمر السنوي، كان لها محاضراتها، كان لها دوراتها، تعلم الطلاب، تساعد الوافدين الجدد، وخلاف ذلك.

كنت في المكتب الإداري لمدة سنتين، وكانت التجربة مثمرة بشكل كبير؛ إذ كنت تمتلك عددا من الخبرات والطاقات تضعها في عمل مؤسسي أكبر وأوضح رؤية، إضافة إلى الاختلاط بالمسلمين الآخرين من الجنسيات الأخرى الذين لم نكن نلتقي بهم بهذا الحجم في حياتنا العادية، بالإضافة طبعًا للمجتمع الغربي والتركيبة الغربية والخبرات الغربي التي نلت بعضا منها عبر دراستي لها..

كل هذا ساعد في تكوين الشخصية وفي زيادة الرصيد الشخصي.

– دراسات مثل ماذا؟

* درست دورة في كيفية القراءة السريعة، كيف تقرأ قراءة واعية ومثمرة بسرعة، درست في معهد “ديل كارنيجي” الخاص بكيفية التعامل وبالعلاقات الاجتماعية، أخذت دورة في كيفية عمل دراسات الجدوى، درست دورة في مبادئ التسويق وطرقه، لأنني أفشل شخص يمكن مقابلته في مجال التسويق، أخذت دورات في الكمبيوتر، بالطبع في تلك الفترة كان الكمبيوتر يعتبر ما زال في بداياته؛ درست الـ”Dos” و “Windows 3.1″، إضافة إلى بعض الدورات الإدارية.

– لغتك العربية قوية جدًا، ولغتك الإنجليزية قوية جدًا؟

* الحمد لله.

– الحمد لله.. حدثني عن اللغة العربية. لماذا هي قوية؟ ولماذا تحب اللغة العربية؟ ومن حببك فيها؟

* اللغة العربية.. أولا –الحمد لله- هي قوية جدًا لسبب مهم جدًا، أنني بالفعلً عشقتها منذ صغري، كان في المدرسة مدرس لبناني اسمه “رفيق الطقش” -أكرمه الله-، هذا الراجل -الحقيقة- كان يمتلك أسلوبا جميلا في طريقة عرض اللغة العربية، أتعلمين؟ ربما أكون أنا الشخص الوحيد اذي تقابلينه في حياتك الذي يقول أن النحو أسهل مادة في العالم! الناس جميعا تستصعبه دائمًا، في رأيي هو أسهل مادة، والحمد لله أنا درَّسته لبعض طلبة كانوا فاشلين في النحو إذ بهم يتحصلون على علامات عالية فيه، إنني أعتبره عبارة عن منظومة هندسية، حين يفهمها الشخص يستطيع التعامل معها، إنها في الآخر مجرد معادلة، ليست شيئا عبقريا.

المهم، كان هذا الأستاذ هو من بسط النحو وأوحى لي بهذا المفهوم عن النحو.. أنا في فترة الصغر هذه رزقني الله -سبحانه وتعالى- بأمرين، قصتان صغيرتان جدًا حتى لا أطيل عليكِ، الأولى: أتعلمين النتيجة “الروزنامة” اليومية التي فيها ورق تُزال فيها ورقة يوميا، عندما كنا صغارا كنا نتسابق في البيت من يأخذ ورقة اليوم، كان حظي في إحدى المرات أن أسحب الورقة فوجدت فيها عبارة تقول: “تخيل لو قرأت نصف ساعة كل يوم، كم من المعلومات ممكن أن تٌحَصِّل؟”، ووضع منظومة حسابية لكم المعلومات المتحصلة، مثلا 3 معلومات كل يوم، مما يعني 90 معلومة شهريا، 1080 معلومة سنوية، 10800 في 10 سنين، وهكذا… قررت وقتها أن أُلزِم نفسي بقراءة نصف ساعة يوميا، النصف ساعة أصبحت ساعة، ثم ساعتين، ثم ثلاث ساعات، أربع، 10، حتى وصلت لـ16 ساعة يوميا خلال الإجازة الصيفية.. كان وضعي العادي ومشكلتي الدائمة مع أهلي أنني يجب أن أقرأ أثناء الأكل لأنني أصبحت مدمنا للقراءة، الأمر الآخر كان أن والدتي –رحمها الله- كانت تدخل غرفتي كل ليلة فتجدني غارقا في النوم والكتاب قد وقع على وجهي، فترفع الكتاب وتطفئ النور.

هذه الفترة جعلتني أقرأ كتيرا جدًا، وهذا جعل حبي للغة أكبر، وقواها عندي كذلك، وكما ورد عن المنفلوطي قوله: “إذا أردت أن تكتب أفضل.. اقرأ أكثر”؛ فالقراءة تزيد قوة اللغة، هذه القصة الأولى.

أما القصة الثانية؛ فقد كنا في الإجازة الصيفية، نذهب للعب كرة القدم، منذ صغري وأنا أحافظ على الصلاة والحمد لله؛ فوالدتي -رحمها الله- ربتنا على ذلك منذ الصغر، لكننا كنا نصلي في البيت، وصلاة الجمعة فقط هي التي كنا نصليها في المسجد، المهم أنه في أحد الأيام في بداية إجازة الصيفية وبينما نحن نلعب أذن المغرب، فوجدت جارا لي كان يلعب معنا يقول لي وبدون مقدمات: ما رأيك لو ذهبنا لنصلي في المسجد؟ ووجدتني أوافق دون تردد رغم أننا سنترك اللعب، لماذا عرض علي الصلاة في المسجد.. لا أدري؟ ولماذا أنا وافقت سريعادون تردد.. لا أدري كذلك.

ذهبنا للمسجد وتوضأنا وصلينا المغرب، وبعد الصلاة جاءنا مؤذن المسجد –رحمه الله- نحن الاثنين دون غيرنا من الأولاد الذين كانوا في المسجد، جاءنا وسلم علينا وأخبرنا عن عقد المسجد لدورة بإشراف من وزارة الأوقاف في بعض العلوم كالقرآن الكريم وتجويده، وكالفقه، والحديث، واللغة، وأبلغنا أن الدورة ستبدأ غدا الساعة 7:30 صباحا.

الدراسة كانت على أيامي 6 أيام في الأسبوع وليست 5 كما اليوم، يعني مش 5 أيام؛ فكان اليوم الوحيد الذي أنام فيه هو يوم الجمعة، وبالطبع عندما تأتي إجازة تكون فرصة للنوم، لذلك كانت موافقتي على الاستيقاظ المبكر للذهاب للدورة أمرا غير طبيعي.

المهم أنني وجاري وافقنا على حضور الدورة، وبالفعل ذهبنا وحضرنا أول يوم فيها، لكن جاري لم يذهب اليوم التالي؛ بينما أكملت أنا الدورة لنهايتها وقدمت امتحاناتها وفزت بجائزة مالية (10 دنانير كويتية) ومجموعة من الكتب. 

هاتان القصتان اللتان لم يكن لي فيهما يد، إضافة إلى وجود مدرس حببني في اللغة منذ صغري، هذه ثلاثة أمور شكلت علاقتي منذ صغري باالغة العربية، وبالطبع هناك ميلي الشخصي للشعر منذ الصغر.

هذه حكايتي مع اللغة العربية.

– وماذا كان مشهورا عنك وأنت صغير غير أن والدتك ترفع الكتاب عن وجهك؟

* ما زلت حتى اليوم أحب الألغاز والأحاجي، وهي الألغاز المنبنية على فكرة علمية أو عملية حسابية وليست الألغاز “العبيطة” أو التافهة.

هذه الأحاجي كانت وما زالت تشدني وتستفزني حتى أحلها مهما أخذت من وقت. كما أحب حل الكلمات المتقاطعة إلى الآن، ولو وجدتها في جريدة لا أتركها حتى أحلها.

– احكِ لي عن مصر؟

* مصر.. أنا جئت مصر –كما قلت لك–في لأول مرة لأجل الماجستير، وكانت تجربة سيئة جدًا للأسف؛ حيث كان عندي مشكلة أن لي مشرفَيْن على الرسالة، وكانا على خلاف كبير مع بعضهما الأمر الذي استغرق مني ثلاث سنوات حتى أنتهي منها، بالمناسبة، وللمقارنة، كان عدد صفحات رسالة الماجستير 400 صفحة، بينما عدد صفحات رسالة الدكتوراة 120 صفحة فقط، الفرق بالطبع يبدو في الفارق العقلي العلمي بيننا وبين الغرب، الرسالة العلمية لا بد لها من الكلام الكثير أو “الدش” الذي ليس في صلب موضوع الرسالة، المقدمات والتمهيد والكلام المكرر الرسالة العلمية لا بد لها من الكلام الكثير أو “الدش” الذي ليس في صلب موضوع الرسالة، المقدمات والتمهيد والكلام المكرر، أما في الخارج؛ فما يهمهم هو صميم موضوع الرسالة لا أكثر. 

المهم أن تجربتي مع مصر من الناحية العلمية سيئة جدًا، أما من الناحية العملية فالموضوع اختلف؛ إذ اختلطت بالناس، وشاركت في العمل الطلابي بشكل كبير، وهذه كانت تجربة جميلة وشيقة ومفيدة جدا.

– حسنا.. الإمام الشافعي غير مذهبه عندما جاء مصر.. وعبد الرحمن الكواكبي أبدع حين جاء مصر، فما الذي أضافته لك مصر؟ وما الذي أضاءته لك خصوصا وأنك تربيت في بيئات منفتحة؟

* هناك مقدمة مهمة جدًا للإجابة على هذا السؤال، وهي مرتبطة بمراحل حياتي، بدايتي كانت إسلامية؛ فقد بدأت مع السلفيين، مع الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق –أكرمه الله-، وهو راجل -نحسبه على خير- من السلفيين المتفهمين الذين يريدون الله –سبحانه وتعالى- فعلا أحسبه كذلك والله حسيبه، ودعينا من “القرف” الموجود اليوم من المدعين تحت مسمى السلفيين.

تتلمذت حوالي سنتين على يدي الشيخ عبد الرحمن، ودرست على يديه عدة علوم أساسية، كالعقيدة وعلم الحديث، وهو الذي أسس بداخلي الضوابط التي ما زالت تعصمني من الشطط بإذن الله تعالى حين بدأت أنظر في الإسلام نظرات محتلفة.

انتقلت بعد ذلك لفترة قصيرة جدا جدا مع مجموعة صغيرة، هم بالمناسبة من قاموا بدخول الحرم المكي واحتلاله عام 1979 وأعلنوا عن وجود المهدي المنتظر بينهم وكان قائدهم جهيمان بن سيف العتيبي –لا أدري إن كنتِ سمعتِ عنه-.. بقيت معهم مدة قصيرة جدا، وبعد ذلك ذهبت للأستاذ محمد سرور زين العابدين، وهو سوري من إخوان سوريا الذين انفصل عنه وقام بتشكيل جماعة أراد أن يجمع فيها بين السلفية والإخوان، عقيدة السلفية وحركة الإخوان، وهذه الجماعة هي التي انبثق منها بعد ذلك سلمان العودة، وعائض القرني، وهذه المجموعة كلها.. بقيت معهم عدة سنوات، وبعدها انتقلت للإخوان، وبقيت معهم مدة وصلت لخمس عشرة سنة.

هذه التركيبة مع العمل والحركة والسفر كل هذا كان يحمل طابع الخلفية الإسلامية، أما ما أحدثته مصر من فرق معي هو أنني في فترة تواجدي الأولى في مصر بدأت أحضر الندوات والمحاضرات التي كانت تعقدها عدد من المراكز الإسلامية المنفتحة على الآخر، وهو ما ساعد على تنمية البذرة التي طالما راودتني وهي أن أتعامل لأول مرة مع الإسلام بمنطق العقل أكثر من القلب، وهذا أحدث فارقا كبيرا معي، إذ بدأت أفهم ديني أكتر، وأقتنع به أكتر، وفي الوقت ذاته غدوت قادرا أكثر على إفهامه للناس.

هذه الخطوة ما أظنها كانت لتحدث لو لم أكن في مصر، نظرا لتواجد المراكز الإسلامية المستنيرة وهذا العدد الكبير من العقليات المنفتحة، وكثرة الوافدين عليها من غير أهلها، هذا ما كنا لنجده بهذا الكم ولا حتى في أمريكا.

هذا جعلني أقول لنفسي: لماذا لا تبدأ بالتفكير بالإسلام بعقلك؟ لماذا لا تسلك طريقا إليه عبر العقل كما فعل كثير من غير المسلمين؟ افهم الإسلام بعقلك ثم انقله لقلبك. 

وكانت –الحمد لله- المرجعية المنضبطة التي نشأت عليها تمنعني من الشطط، لأ، أنت يجب أن تتوقف هنا، انتبه، وهكذا، وأتوقع أن هذا ما ميز كتاباتي بعد ذلك والحمد لله رب العالمين؛ فحتى من خالفني أو لم يقتنع بكلامي لم يستطع الطعن في منهجية ما أكتب بطريقة علمية.

أعلم أنني كثيرا ما أكتب بطريقة مختلفة عن المعتاد، وعادة لا أكتب في ما كُتب فيه إلا لأقدم جديدا، أو أطرح أمرا لم يتم التفكير فيه من قبل، لكنني رغم ذلك لا أخرج عن الضوابط ولا أخالف النهج العلمي، وليس كما فعل كثيرون غيري.

– ما ترتيبك بين إخوتك؟

* أنا الأخير.. أنا وليَّ أخ توأم.. عندي أختان، ثم أخوان، ثم أنا وأخي التوأم.

– في وسط هذه “اللفة” الجميلة في البلاد.. هل تستطيع أن تقول لي ما معنى الوطن؟

* هذا سؤال مهم جدًا بالنسبة لي بالمناسبة، قد لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لغيري، أما أنا فهو موضوع يضرب على الوتر الحساس كما يقولون.. أنا شخصيا لا أعرف ماذا تعني كلمة وطن؟ إنني أحمل في قلبي حبًّا لبلاد كتيرة، لكن ليس عندي وطن، ولم أشعر يوما بشعور الوطن.. حتى عندما أذهب للأردن، وأنا مواطن أردني أحمل الجنسية الأردنية، لم أشعر أنني في وطني، ربما لأنني لم أعش فيه أبدا، وإنما كانت مجرد زيارات.

سأقول لك أمرا: من أكتر الأشياء التي ضايقتني أيام ثورة 25 يناير أنني لا أستطيع النزول للمشاركة فيها، وأعظم من ذلك أنني لا أستطيع أن أفعل شيئا كهذا في أي مكان في العالم، هذا شعور قاسٍ.

قد يعوضني بعض الشيء عن هذا الشعور أن لي أوطان وليس وطنا واحدا.

فلسطين بالطبع هي الأساس، وهذا ليس خاصا بي أو بالفلسطينيين، إن فلسطين تعني كثيرا لمعظم العرب والمسلمين، ولهم ميل نحوها كما لي تماما، هذا أمر لمسته بنفسي مرارا وتكرارا وما زلت ألمسه من إخوة عرب ومسلمين.

الكويت ليَ فيها حب وعشق لا يمكن أن أنساه، لي طفولة وذكريات أهل وأصحاب، وتعلُّم وخبرات، وخير وخيرات.. الكثير الكثير.

مصر طبعًا من البلاد العزيزة جدًا عليَّ، وقد سنحت لي في ما مضى فرص كتيرة لأن أتركها وأسافر للعمل في بلد أخرى، كنت أرفض ذلك بشدة.

– إذن ما أحب البلاد إليك؟

* لأ.. لا يوجد أحب.. هم الثلاثة، لا أستطيع أن أقول أنني أحب بلدا أكثر من الآخر. 

– مصر وفلسطين والكويت؟

* نعم، لا أستطيع أبدًا أن أقول أن في قلبي بلد أحب من أخويه، صدقًا ودون مجاملة، لا أستطيع.

أنا أقول الحمد لله أنني فلسطيني؛ فهذا بلد مبارك، وأحمد ربي كذلك، أنني نشأت وتربيت وترعرعت في بلد كالكويت، فرصة ذهبية لتشكيل العقل بنضوج ولتعلم أشياء كثيرة وفي مجالات عدة، كتير، وأحمد الله كذلك جدًا، أنني أتيت مصر؛ فمصر –بالنسبة لي- كانت فترة النضج بشكل كبير، النضج الذي نما في بيئة مناسبة؛ فكان نضجا مناسبا.

انتظروا بقية الحوار في الحلقة الثانية..

Advertisements

One thought on “سلسلة (مَن علمني حرفا) – حوار مع د. كمال المصري – حلقة 1

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s